الأحد 30 نوفمبر 2025
مادة إعلانية

يلا سوريا – هيا عبد المنان الفاعور

أعلنت النيابة العامة في النمسا توجيه اتهامات رسمية إلى مسؤولين أمنيين سابقين في النظام البائد، هما العميد خالد الحلبي رئيس فرع أمن الدولة في الرقة سابقاً، والمقدم مصعب أبو ركبة المسؤول عن مكتب التحقيق الجنائي، وذلك على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة وممنهجة بحق معتقلين سوريين خلال الأعوام 2011 إلى 2013. وجاء هذا التطور بعد تحقيقات امتدت لأكثر من عقد كامل بمشاركة ناجين سوريين ومنظمات حقوقية، في واحدة من أبرز قضايا العدالة العابرة للحدود في أوروبا. وأكدت النيابة العامة أن الضابطين متهمان بممارسة التعذيب الوحشي والعنف الجسدي والاعتداءات الجنسية بحق معتقلين مدنيين، مشيرة إلى تحديد هوية 21 ضحية حتى الآن.

وكشفت التحقيقات أن المتهمين دخلا الأراضي النمساوية عام 2015 وطلبا اللجوء باعتبارهما ضحايا حرب، قبل أن يتعرف عليهما ناجون كانوا محتجزين سابقاً في الأفرع الأمنية ذاتها التي عملا فيها. ويبرز من بين هؤلاء الشهود محمد الحاج، ابن مدينة الرقة، الذي أدى دوراً محورياً في كشف هوية الضابطين. ويروي الحاج أنه اعتُقل عام 2012 من أحد مقاهي المدينة بطريقة تعسفية، ونُقل مباشرة إلى فرع أمن الدولة حيث تعرض لتعذيب قاسٍ شمل الضرب والصعق بالكهرباء والتعليق لفترات طويلة، وهي الانتهاكات التي طابقت ما وثقته منظمات دولية حول سجون النظام البائد. ويؤكد أن التحقيق معه كان يجري بإشراف مباشر من خالد الحلبي، الذي بقي مجهول الهوية داخل المعتقل بسبب تعصيب أعين الضحايا، إلا أن صوته ظل عالقاً في ذاكرته.

خرج الحاج من المعتقل بعد دفع مبالغ مالية وكتابة تعهد بعدم المشاركة في أي نشاط معارض، ثم عمل متطوعاً مع الهلال الأحمر القطري قبل خروجه من سوريا عام 2014 ووصوله إلى النمسا في السنة نفسها. وبعد أيام من وصوله فوجئ برؤية الضابط مصعب أبو ركبة في أحد مراكز اللجوء، وهو المعروف في الرقة بدوره في قمع الحراك السلمي. وبعد التأكد من هويته تقدم الحاج بدعوى قضائية ضده، لتكشف التحقيقات لاحقاً أن الحلبي موجود كذلك في النمسا بعدما دخل أوروبا عبر فرنسا، وسط تقارير عن ارتباطات محتملة له مع جهات استخباراتية أجنبية.

وشهدت القضية متابعة دقيقة من المحامي أسيد الموسى الذي ساعد في توثيق الشهادات وجمع الأدلة والتنسيق مع محامين ومنظمات حقوقية، ما أسهم في بناء ملف قضائي متكامل عززته شهادات أكثر من 21 ناجياً. وتؤكد النيابة العامة أن المحاكمة مستمرة ضمن إطار الولاية القضائية العالمية التي تتيح ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب خارج الحدود.

ويأمل محمد الحاج ومعه العديد من السوريين أن تمثل هذه المحاكمة خطوة نحو كشف مصير المعتقلين والمفقودين وإنصاف الضحايا، قائلاً إن ما يبحث عنه السوريون هو الحقيقة والعدالة التي تحفظ كرامتهم بعد سنوات طويلة من المعاناة.